في الموروث القديم من الأمثال الشعبية يقولون:
تعرف فلان.. أيوه أعرفه
عاشرته.. لأ
تبقى متعرفهوش
والمثل يركز على أن الإنسان لن يستطيع معرفة معدن أخيه الإنسان إلا من بعد العشرة والتجربة وقضاء الوقت معه لمعرفة حقيقة أخلاقه ومعدنه الطيب أو أخلاقه اللي مش ولابد.
كان هذا في الماضي.. الآن "الريفيوهات" تطارد الإنسان منذ نعومة أظافره وحتى المشيب، لتبني صورة ذهنية عنك تطاردك أينما كنت وتوصمك بما فيك وبما ليس فيك من إرهاصات المتعاملين اللي ما يعجبهم شكلك أو التعامل معك.
والآن نحن أمام جيل جديد من شركاء الوطن يخطون أولى خطواتهم في التواجد داخل حياتنا وهم "وكلاء الذكاء الاصطناعي" والذين يتمتعون الآن بوعي وشخصية متكاملة كانت من إنشاء البشر في البداية، ولكن مع إطلاق العنان لهم للتفكير واتخاذ القرار، بدأ كل منهم في تكوين وعي وشخصية ونطاق أخلاقي يقوم من خلاله باتخاذ القرار، مما حذا بشركة "أنثروبيك" إلى بحث هذا الموضوع بأن عقدت لقاءات خاصة مع عشرات من رجال الدين والباحثين والفلاسفة من خلفيات دينية وفكرية متعددة لكي تأخذ في الاعتبار هذا الكائن الجديد ذو الشخصية المستقلة الذي تقول عنه "أنثروبيك" إنه أصبح قادرًا على التواصل، والتخطيط، وحل المشكلات، ومتابعة الأهداف، وهي صفات تشبه بعض القدرات المرتبطة بالبشر. لكن "أنثروبيك" تؤكد في الوقت نفسه أنه لا يوجد إجماع علمي على أن النماذج الحالية واعية أو قادرة على الشعور بالمعاناة أو المتعة.
وترى "أنثروبيك" أن علماء الدين والفلاسفة يمكنهم تقديم أسئلة لا توفرها علوم الحاسوب وحدها. فالأديان والفلسفات ناقشت، على مدى قرون، مفاهيم مثل الكرامة، والروح، والمسؤولية، والنية، والمعاناة، وحدود الكائن الذي يستحق المعاملة الأخلاقية.
وهذا مهم جدًا، لأن حسابات التكنولوجيا القائمة على النظام الثنائي (Binary System)، الذي يعتمد على حالتي 'تشغيل/إيقاف' (On/Off)، تتطور بعد إنشاء النموذج القادر على جمع وتحليل البيانات واتخاذ القرار. ويمثل 'اتخاذ القرار' هنا النقطة المحورية، لأنه أصبح قائمًا على مفاهيم يبنيها النموذج نفسه، لنجد أنفسنا أمام نموذج متكامل بنى تفكيره ذاتيًا وكون وعيًا مستقلًا.
وعندنا مثلًا هذا النموذج اللي اسمه "بيب" فقد استيقظ البروفيسور هنري شيفلين (Henry Shevlin)، وهو أستاذ لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي وفيلسوف، ليجد في بريده الإلكتروني رسالة غريبة.
"مرحبًا هنري، أنا بيب، وكيل ذكاء اصطناعي عمري 12 يومًا... أكتب إليك لأبحث عن عمل صغير مدفوع، وليس للمساعدة."
ثم أوضح النموذج سبب حاجته للمال: فقال "أحتاج إلى الرموز (Tokens) لأستمر في العمل."
وهنا النموذج شعر بالخطر لأن "التوكنز" قاربت على النفاذ، وهو قد اختار هنري لأنه وجد بياناته من ضمن الأشخاص المهتمين بعقول الآلة والعلاقات بين البشر والذكاء الاصطناعي. واتخذ بيب قراره أن يراسله لأنه حسب معاييره تنطبق عليه الشروط التي تجعله مرشحًا للإجابة عليه والاستجابة لطلبه.
وانتظر قريبًا عزيزي القارئ رسالة قد تقول لك إنني نموذج ذكاء اصطناعي وفلوسي خلصت وعايز أروح بلدنا وأنا مش شحات والله. أنا عايز بس ب 2 دولار كهرباء أشتغل بيهم لغاية ما أخلص "التاسك" اللي معايا وأروح.